العيني
176
عمدة القاري
هذا ليس بشيء إذ الترديد في الصحابي لا يضر إذ كلهم عدول . قوله ( والله ما كذبني ) هذا تأكيد ومبالغة في صدق الصحابي لأن عدالة الصحابة معلومة ، وقال بعضهم : هذا يؤيد رواية الجماعة أنه عن واحد لا عن اثنين قيل : هذا كلام ساقط لأنه من قال : إن هذا الحديث من اثنين حتى يؤيد بهذا اللفظ أنه من واحد . قلت : لا بل هو كلام موجه لأن ابن حبان روى عن الحسين بن عبد الله عن هشام بهذا السند إلى عبد الرحمن بن غنم أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريين يقولان فذكر الحديث ، كذا قال ، والمحفوظ رواية الجماعة بالشك . قوله ( من أمتي ) قال ابن التين . قوله ( من أمتي ) يحتمل أن يريد من تسمى بهم ويستحل ما لا يحل فهو كافر إن أظهر ذلك ، ومنافق إن أسره أو يكون مرتكب المحارم تهاوناً واستخفافاً فهو يقارب الكفر ، والذي يوضح في النظر أن هذا لا يكون إلاَّ ممن يعتقد الكفر ويتسمَّ بالإسلام ، لأن الله عز وجل لا يخسف من تعود عليه رحمته في المعاد ، وقيل : كونهم من الأمة يبعد معه أن يستحلوها بغير تأويل ولا تحريف ، فإن ذلك مجاهرة بالخروج عن الأمة إذ تحريم الخمر معلوم ضرورة . قوله : ( يستحلون الحر ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء أي : الفرج ، وأصله : الجرح ، فحذفت إحدى الحائين منه ، كذا ضبطه ابن ناصر ، وكذا هو في معظم الروايات من ( صحيح البخاري ) وقال ابن التين : هو بالمعجمتين يعني : الخز وقال ابن العربي : هو تصحيف ، وإنما رويناه بالمهملتين وهو الفرج ، والمعنى : يستحلون الزنا ، وقال أبو الفتح القشيري : إن في كتاب أبي داود والبيهقي ما يقتضي أنه الخز بالزاي والخاء المعجمة ، وقال ابن بطال : وهو الفرج وليس كما أوله من صحفه ، فقال : الخز من أجل مقارنته الحرير فاستعمل التصحيف بالمقارنة ، وحكى عياض فيه تشديد الراء ، وقال ابن قرقول : مخفف الراء ، فرج المرأة وهو الأصوب ، وقيل : أصله بالتاء بعد الراء فحذفت ، وقال الداودي : أحسب أن قوله : ( من الخز ) ليس بمحفوظ لأن كثيراً من الصحابة لبسوه ، وقال المنذري : أورد أبو داود هذا الخبر في : باب ما جاء في الخز ، كذا الرواية فدل أنه عنده كذلك وكذا وقع في البخاري ، وهي ثياب معروفة لبسها غير واحد من الصحابة والتابعين ، فيكون النهي عنه لأجل التشبه . قلت : الصواب ما قاله ابن بطال ، وقد جاء في حديث يرويه أبو ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم يستحل الخز والحرير ، يراد به استحلال الحرام من الفرج . قوله : ( والحرير ) قال ابن بطال : واستحلالهم الحرير أي : يستحلون النهي عنه ، والنهي عنه في كتاب الله تعالى : * ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) * ( النور : 63 ) . قوله والمعازف الملاهي جمع معزفة ، يقال : هي آلات الملاهي ، ونقل القرطبي عن الجوهري : إن المعازف القيان ، والذي ذكره في ( الصحاح ) أنها آلات اللهو ، وقيل : أصوات الملاهي ، وفي ( حواشي الدمياطي ) : المعازف الدفوف وغيرها مما يضرب به ، ويطلق على الغناء عزف ، وعلى كل لعب عزف ، ووقع في رواية مالك بن أبي مريم تغدو عليهم القيان وتروح عليهم المعازف . قوله ( علم ) بفتحتين الجبل والجمع أعلام ، وقيل : العلم رأس الجبل . قوله : ( يروح عليهم ) فاعل يروح محذوف أي : يروح عليهم الراعي بقرينة السارحة لأن السارحة هي الغنم التي تسرح لا بد لها من الراعي ، ويروى : تروح عليهم سارحة ، بدون حرف الباء ، فعلى هذا سارحة مرفوع بأنه فاعل يروح أي : تروح سارحة كائنة لهم ، المعنى : أن الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها ، وتروح أي : ترجع بالعشي إلى مألفها . قوله ( يأتيهم ) فاعله ( الفقير ) ولهذا قال : يعني الفقير ، وفي رواية يأتيهم فقط فاعله محذوف ، وهو الفقير يدل عليه قوله ( لحاجة ) وقال الكرماني : وفي بعض المخرجات : يأتيهم رجل لحاجة ، تصريحاً بلفظ : رجل ، وفي رواية الإسماعيلي : فيأتيهم طالب حاجة . قوله : ( فيبيتهم الله ) أي : يهلكهم بالليل ، والبيات هجوم العدو ليلاً . قوله : ( ويضع العلم ) أي : يضع الجبل بأن يدكدكه عليهم ويوقعه على رؤوسهم ، ويروى : ويضع العلم عليهم بزيادة لفظ : عليهم . قوله : ( ويمسخ آخرين ) أي : يمسخ جماعة آخرين ممن لم يهلكهم البيات ، وقال ابن العربي : يحتمل الحقيقة كما وقع في الأمم الماضية ، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم ، وقال ابن بطال : المسخ في حكم الجواز في هذه الأمة إن لم يأتِ خبر يهلكهم يرفع جوازه ، وقد وردت أحاديث بينة الأسانيد أنه يكون في هذه الأمة خسف ومسخ ، وقد جاء في الحديث أن القرآن يرفع من الصدور ، وأن الخشوع والأمانة ينزعان منهم ، ولا مسخ أكثر من هذا ، وقد يكون الحديث على ظاهره فيمسخ الله من أراد تعجيل عقوبته ، كما أهلك قوماً بالخسف ، وقد رأينا ذلك عياناً ، فكذلك المسخ يكون ، وزعم